| «كنت أظن أن هناك متسعًا، وأن [مؤنس الرزاز] سيكون هناك في عمان، مثله مثل القلعة، أو جبل اللويبدة، أو المدرج الروماني، أو سقف السيل». لكن مؤنس رحل، ليكتب عنه الشاعر الأردني أمجد ناصر نصًا بعنوان: شيء ما سينقص في عمان. بالتأكيد، مع وفاة مؤنس فإن أشياء عديدة نقصت، ليس في عمّان فحسب، ولكن في منطقتنا، إذ كان هذا الأديب المولود عام 1951 شاهدًا، عن قرب أكثر مما ودّ أحيانًا، على أحداث مفصلية مرّت بها المنطقة العربية، وتحديدًا بلاد الشام، من صعود حزب البعث في سوريا والعراق، إلى الانقلابات التي شهدها هذان البلدان، إلى الأحكام العرفية التي شهدها الأردن، إلى الحرب الأهلية في لبنان، واجتياح العدو الإسرائيلي لعاصمة عربية جديدة. أحداث عاصرها، وكتب عنها ومن وحيها، من موقع المشارك حينًا، ومن موقع المتأثر دومًا. على مدى السنوات الفائتة، كان مؤنس الرزاز يفرض حضوره في الصحافة الثقافية العربية، رغم مرور 24 عامًا على وفاته، بإعادة تناول أعماله من جديد، ومحاولة قراءتها مرّات ومرّات، لتحليل الأسلوب المغاير الذي ميّزه، أو سعيًا لاستشفاف الشخصي من حياة مؤنس عبرها. في هذه النشرة البريدية، وفي الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل مؤنس، نحاور الزميل عمّار الشقيري، والذي عمل على إنجاز مادة سيريّة عن مؤنس الرزاز، نشرناها في حبر عام 2022، ضمن ملف صحفي حمل عنوان «مؤنس الرزاز: عشرون عامًا من الغياب». حبر: يعلّق أمجد ناصر على كتاب «سيرة جوّانية» لمؤنس الرزاز قائلًا: «يا لها من كتابة متخففة من أثقال البلاغة والجماليات المفتعلة. كتابة مكتفية بلهب التجربة وحرائقها». هل يمكن لك أن تخبرنا أكثر عن هذه السيرة غير المنشورة حتى اليوم. ما هي أهميتها، وما الذي تقوله لنا عن تجربة مؤنس؟ عمار الشقيري: لم يقرأ أحد السيرة الجوانية التي كتبها مؤنس الرزاز غير عائلته وبعض أصدقائه المقربين، إذ إنها لم تنشر حتى بعد 24 عامًا من رحيله، والسبب يعود إلى الطريقة التي كتبت فيها، فهي لا تقدم -مثل كثير من كتب السيرة العربية- حياته من النشأة، مرورًا باختياره صنعة الأدب، أو ذكرياته حول العيش في العراق إلى جوار والده. وإنما كانت نصًا جارحًا يقول ما لا يرغب الكثيرون بالكتابة عنه في سيرهم، أو ما لا يرغب الكثيرون بسماعه، مثل فترات المرض والإدمان، والنزوات، والنقد الجارح لمن حوله، وهذا ما يؤخر نشرها إلى اليوم برأيي. خلال بحثي عن السيرة الجوانية، تواصلت مع أصدقائه الذين أطلعوا عليها، وأفراد من عائلته الذين يملكون نسخًا منها، وفي أرشيف أعداد مجلة أفكار حيث نشر مؤنس الأجزاء الأقل جرأةً منها، واطلعت على أجزاء منها. يومها قلت لنفسي: كيف قتل مؤنس الرقيب الذي بداخله وأخرج كل هذه الاعترافات؟ حبر: لِمَ ترى أنه من المهم العودة إلى مؤنس الرزاز اليوم. ما الذي بقي عنده ليقوله؟ عمّار: هناك اثنان من مؤنس الرزاز، والعودة له تستدعي استعادة كليهما: مؤنس السياسي الذي جاء إلى الدنيا مع صعود المدّ القومي ووصول أحزابه إلى السلطة في أكثر من بلد عربي. فآمن بالعروبة كسبيل للعيش بكرامة ولتحرير فلسطين. كان عُمْر مؤنس خمس سنوات حين وصل عبد الناصر إلى السلطة في مصر، و 12 سنة حين وصل البعث إلى السلطة في سوريا، و17 سنة حين وصل البعث إلى السلطة في العراق، مع ميزة أخرى؛ قربه من رموز السلطة ومنظري القومية العربية، مثل أبيه منيف الرزاز وميشيل عفلق. كان مؤنس قريبًا من هذه التجارب، فتأثر بها، وكان أحد الشهود على تلك المرحلة. أمّا مؤنس الروائي، فمرّ بعدة مراحل، إذ اهتمّ بداية بالأفكار في أعماله الأدبية على حساب أسلوب الكتابة، وهو ما يظهر في أعماله القصصية الأولى، وهي جزء من النسق العام لكتابة الأدب العربي ما بعد النكسة والذي عبّر عنه غسان كنفاني مرة بقوله: «شرّفوا واركبوا على أكتافنا بحجة الخامس من حزيران، واحشونا حشوًا بالخطابات والتظاهرات باسم العمل الفني المرتبط بالجماهير»، تخلى مؤنس عن طريقة الحشو والخطابات وبدأ الاهتمام بأسلوب الكتابة وبدأ عصرًا جديدًا في مشروعه الأدبي. غيّرت التحوّلات الكبرى في المنطقة من مؤنس سياسيًا وأدبيًا. واستذكار مسيرته في السياسة والأدب، وكيف تأثرت بما يحصل حوله تذكّرنا بكيف تفرض التغييرات السياسية تغييرات في الحياة. والأدب والفنّ في القلب مما يتغيّر. ونحن اليوم نشهد تحوّلات كبرى ستفرض بدورها تحولات في مجالات كثيرة، لكننا سنحتاج إلى وقت للتعرف إليها. حبر: لمؤنس الرزاز أكثر من عشر روايات ومجموعات قصصية عديدة، هل يمكن لك أن ترشّح لنا ثلاثة أعمال يمكن عبرها التعرّف إلى تجربة مؤنس الأدبية، ولماذا؟ عمّار: إن جوهر العمل الروائي عند مؤنس قد اكتمل حين اكتمل تحوله في الكتابة، وظهر في ثلاثيته: أحياء في البحر الميّت (1982)، واعترافات كاتم صوت (1986)، ومتاهة الأعراب في ناطحات السراب (1986). تقدم هذه الروايات الثلاث سيرة مؤنس وعائلته في الحياة السياسية العربية، لا عبر سردٍ للأحداث، وإنما من زوايا تحليل نفسي، ومن زاوية مناقشة السلطة والقمع، وأخيرًا من زاوية تحليل للواقع العربي بين التاريخي والمعاش. أمّا على مستوى الأسلوب، فلا تعتمد هذه الروايات قالب الحكاية الكلاسيكية، لأن مؤنس كان يعتقد أن واقعًا سياسيًا واجتماعيًا عربيًا مفتتًا لا يمكن التعبير عنه بحكاية تقليدية متماسكة إنما بسردٍ يجاريه ويأتي مثله مشظى.
|
تعليقات
إرسال تعليق